ابن الأثير
313
الكامل في التاريخ
وأمّا هاشم بن عتبة فإنّه دعا الناس عند المساء وقال : ألا من كان يريد اللَّه والدار الآخرة فإليّ ! فأقبل إليه ناس كثير ، فحمل على أهل الشام مرارا ويصبرون له ، وقاتل قتالا شديدا وقال لأصحابه : لا يهولنكم ما ترون من صبرهم ، فو اللَّه ما هو إلّا حميّة العرب وصبرها تحت راياتها وإنّهم لعلى الضلال وإنّكم لعلى الحقّ . ثمّ حرّض أصحابه وحمل في عصابة من القراء فقاتل قتالا شديدا حتى رأوا بعض ما يسرون به ، فبينما هم كذلك إذ خرج عليهم شاب وهو يقول : أنا ابن أرباب الملوك غسّان * والدائن اليوم بدين عثمان نبّأنا قرّاؤنا بما كان * أنّ عليّا قتل ابن عفّان ثمّ يحمل فلا يرجع حتى يضرب بسيفه ويشتم ويلعن . فقال له هاشم : يا هذا إن هذا الكلام بعده الخصام ، وإن هذا القتال بعده الحساب ، فاتّق اللَّه فإنّه سائلك عن هذا الموقف وما أردت به . قال : فإنّي أقاتلكم لأن صاحبكم لا يصلّي وأنتم لا تصلّون ، وإن صاحبكم قتل خليفتنا وأنتم ساعدتموه على قتله . فقال له هاشم : ما أنت وعثمان ، قتله أصحاب رسول اللَّه ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وأبناء أصحابه وقراء الناس ، وهم أهل الدين والعلم ، وما أهمل أمر هذا الدين طرفة عين . وأمّا قولك : إن صاحبنا لا يصلّي ، فإنّه أوّل من صلّى وأفقه خلق اللَّه في دين اللَّه وأولى بالرسول ، صلّى اللَّه عليه وسلّم ، وأمّا كلّ من ترى معي فكلّهم قارئ لكتاب اللَّه لا ينام اللّيل تهجّدا ، فلا يغوينك هؤلاء الأشقياء . فقال الفتى : فهل لي من توبة ؟ قال : نعم ، تب إلى اللَّه يتب عليك فإنّه يقبل التوبة عن عباده ويعفو عن السيئات . فرجع الفتى ، فقال له أهل الشام : خدعك العراقي . فقال : كلّا ولكن نصح لي . وقاتل هاشم وأصحابه قتالا شديدا حتى رأوا الظفر ، فأقبلت عليهم عند المغرب كتيبة لتنوخ ، فقاتلهم هاشم وهو يقول :